خالد بن حمد الرواحي
في كل مؤسسة، تُستنزَف طاقة محدودة: وقت القادة، انتباههم، صبرهم، وقدرتهم على المتابعة والتصحيح والدعم. هذه الطاقة- مهما اتسعت الموارد وتعددت الأنظمة- تبقى أندر مورد إداري، وأكثره حساسية في توجيه مسار العمل. والسؤال الذي لا نطرحه غالبًا بوضوح هو: على من نُنفق هذه الطاقة؟ ومن يستحق أن نراهن عليه فعلًا داخل المؤسسة؟
نميلُ- بحسن نية أحيانًا، وبدافع العدالة أحيانًا أخرى- إلى توزيع الاهتمام بالتساوي، وملاحقة كل مقاومة، ومحاولة إقناع كل متردد، ومعالجة كل اعتراض كما لو كان مفتاح النجاح القادم. غير أن التجربة المؤسسية تقول شيئًا مختلفًا: ليس كل جهد يُثمر، وليس كل استثمار ذو جدوى، وليس كل من يُمنَح الفرصة يُحوّلها إلى قيمة مضافة.
هنا لا يصبح السؤال أخلاقيًا فقط، بل إداريًا بامتياز: هل من الحكمة أن نُساوي في حجم الرعاية والمتابعة بين من يُضيف قيمة فعلية، ومن يستهلك الطاقة دون أثر؟ بين من يتعامل مع العمل بوصفه مسؤوليةً ومعنى، ومن يتعامل معه بوصفه مساحة اعتراض دائم أو انسحاب هادئ؟
في كل بيئة عمل- بلا استثناء- نماذج مختلفة من البشر. هناك من يُحب الحقيقة، ويُحب العمل، ويُحب أن يرى أثر جهده في الواقع. أشخاص لا يطلبون الكمال، لكنهم يسعون للتحسين؛ لا يُتقنون كل شيء، لكنهم يتعلّمون؛ لا يُغيّرون كل الواقع، لكنهم يُحرّكونه خطوة إلى الأمام. هؤلاء- في العادة- لا يرفعون أصواتهم كثيرًا، ولا يُكثرون من الشكوى، لكنهم يُحقّقون أثرًا تراكميًا هو ما يصنع الفرق الحقيقي على المدى الطويل.
وفي المقابل، هناك أنماط لا تُنتج القيمة بقدر ما تُعيد تدوير الإحباط: تُكثر من الاعتراض دون بديل، وتُجيد التشكيك أكثر مما تُجيد البناء، وتُحوّل كل مشروع إلى عبء، وكل مبادرة إلى مشكلة، وكل تغيير إلى تهديد. لا لأنها سيئة النية بالضرورة، بل لأنها لم تعد ترى في العمل فرصة، بل عبئًا، ولا في المؤسسة مساحة قيمة، بل مساحة صراع.
الإشكالية أن المؤسسات- بدافع الحرص- تُنفق كثيرًا من طاقتها على الفئة الثانية: جلسات مطوّلة للإقناع، ومحاولات لا تنتهي للتدوير، وبرامج علاجية لا تُثمر، واجتماعات تُستنزَف فيها ساعات طويلة فقط لإبقاء الأمور في حدّها الأدنى من الاستقرار. وفي الوقت ذاته، تُهمل- دون قصد- الفئة الأولى: التي تعمل، وتبني، وتتحمّل، وتُنجز بثبات.
فينشأ خلل خفيّ: لا يُكافأ الإنتاج بما يستحق، ولا يُرعى النمو بما يكفي، ولا يُعزَّز السلوك الإيجابي لأنه «موجود أصلًا»، بينما يُستنزَف الجهد حيث لا يوجد استعداد حقيقي للتغيّر. فيتحول الاستثمار من رافعة للأداء إلى أداة لإدامة الجمود.
والأخطر أن هذه الرسالة تنتقل ثقافيًا داخل المؤسسة: أن العرقلة تجلب الاهتمام، وأن المقاومة تُجبر النظام على الالتفات، وأن الإنتاج غير المُقدَّر أمرٌ مفروغ منه. ومع الوقت، لا يتراجع الأداء فقط… بل تتراجع الدافعية.
الإدارة الناضجة لا تُقصي أحدًا، لكنها أيضًا لا تُساوي بين كل السلوكيات في حجم الرعاية والتعويل. لا تُدين أحدًا، لكنها تُدرك أن طاقة المؤسسة محدودة، وأن توجيهها قرارٌ استراتيجي، لا مجاملة أخلاقية. وأن العدل ليس أن نُعطي الجميع الشيء نفسه، بل أن نُعطي كل نمط ما يستحقه وفق أثره ومسؤوليته واستعداده للنمو.
فربما لا تحتاج مؤسساتنا إلى مزيد من الخطط، ولا إلى مزيد من الأنظمة، ولا إلى مزيد من الشعارات عن التغيير. ربما تحتاج فقط إلى شجاعة هادئة لطرح هذا السؤال بصدق: أيّ البشر نستثمر فيهم؟ وكل قائد يجيب عنه في ممارسته اليومية قبل أن يكتبه في رؤيته.
